
“ايوب ابنى فيه حاجه..”
نظرت لابنيها الواقفين أمامها، ينظران لها برجاء..
“اخوكم فيه حاجه..قلبى واكلنى عليه..”
قالت ليان بتأثر..
“يا حبيبتى اهدى..ان شاء الله مافيش حاجه..”
نظرت لها زينب، وتحدثت بغضب..
“انتى مفكرانى اتجننت وبقول اى كلام زى ما جوزك مفهمك..انا ابنى ايوب عايش ربنا يحفظه لشبابه ويديله طولة العمر..”
نظرت ليان لزوجها الذى غمز لها بعينيه،كإشارة منه لكى تساير والدته فى الحديث،
بأسف ابتعدت عن نظره، وبوعيد همست لنفسها..
“انا هعرف ازاى اعاقبك على كذبك عليا و ارجعك لعقلك بطريقتى يا ايمن..”
أخذت نفساً عميقاً، وابتسمت لزينب بحب وبتاكيد تحدثت..
“انا عارفه ان ايوب عم ولادى لسه عايش يا ماما زينب..”
شحب وجها كلا من أيمن وأحمد بشدة، وانقطعت انفاسهما، وبصدما نظرا لليان،
فأكملت هى بما جعل قلبيهما أوشك على التوقف من شدة صدمتهما حينما أمسكت يد زينب، ووضعتها على بطنها المنتفخة، وأكملت باصرار…
“وعلشان كده هسمى ابنى على اسم عمه..”
نظرت لزوجها بابتسامة مصطنعة وببطء أكملت..”ايوب..”
أنتهى البارت..
واستغفرو لعلها ساعة استجابة..البارت العاشر..
تزوجته فقيراً فأغنانى الله به..
✍نسمه مالك✍..
..اللهم إنا نعوذ بك من فواجع الأقدار..؛
وغصة القلب، وضيق الحياة..؛
ونعوذ بك اللهم من گل مرض، أو وجع، أو گدر ..
ومن سوء الحياة وشرها..؛
ونعوذ بك من گآبة الايام ومن ضيق يلامس قلوبنا أو حزن يحتل عيوننا..؛
اللهم إنا نسألك رزقاً حلالاً لا يُعد..؛
وباباً للجنة لا يُسد..؛
وبرگة في صحتنا وأبداننا وأعمارنا..؛
وصلاحاً في ذرياتنا..؛
وزيادة في حسناتنا..؛
وصل اَللَّهُمَّ وَسَلَّمَ عَلَى خَاتِمٍ الانبياء وَالمُرْسِلِينَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٌ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعَيْنِ..
********
تركض حبيبة داخل ممر احدى المستشفيات،
وجهها شاحب كشحوب الموتى،
تركض دون إرادتها، غير متحكمه بقدميها،
يتمايل جسدها يميناً ويساراً كمن أوشكت على السقوط،
يرتعش بدنها بشكل ملحوظ،
جبهتها متعرقة للغاية،
عيناها مملؤة بالدموع، لكنها تأبى الهبوط،
تلتقط انفاسها بصوت مسموع،
وبهلع تردد دون توقف..
“ايوووووب..انت فين..”
أسرعت بوضع كف يدها على موضع قلبها، لعلها تهدئ من فزعه قليلاً، ولكن دون جدوى،
فقط أوشك حقاً على التوقف من شدة رعبها على زوجها الخلوق،
شعرت بدوار قوى يداهمها حينما تخيلت أن هنا سينتهى حلم عمرها، بعدما أخيراً تحقق وتزوجت بمن عشقته بعد معاناة،
كادت أن تستلم لدوارها،
لكن يد والدها تلقطها داخل حضنه سريعاً بحماية، وبصرامه تحدث..
“حبيبه..اجمدى وفوقى يا بنتى..وخلينا نطمن على جوزك..”
بجسد ينتفض بعنف، حركت حبيبه رأسها بالايجاب،
نظر لها محمد بتمعن وبتساؤل تحدث..
“اللى كلمك فى التليفون قالك ايه بالظبط يا حبيبه..”
بنبره أوشكت على الانهيار همست حبيبة بكلمات متقطعه..
“ا انا ك كنت بكلم ايوب وبعدين..”
تأوهت بقوة..
“..اااااااه يا أيوب..
سمعت صوت عربية وقفت مره واحدة، وناس صرخت..انا فضلت على السماعه بنادى على ايوب يا بابا علشان يرد عليا..،
بكت بنحيب..
“لقيت واحد غريب هو اللى رد وقالى ان ايوب عربيه خبطته وخدوه على المستشفى ووصفلى المستشفى دى..”
ارتمت داخل حضنه، تبكى كطفلة صغيرة، وأكملت من بين شهقاتها،
“قفلت معاه، وكلمتك علشان مكونتش عارفة اعمل ايه، ولا أروح فين.”
ربت محمد على ظهرها بحنان، وأمسك يدها، وسار بها نحو الأستعلامات وتحدث برجاء..
“طيب اهدى يا حبيبتى وبأذن الله جوزك هيبقى بخير..”
توقفا أمام أحد العاملين، وبلهفة قال..
“من فضلك جوز بنتى عربيه خبطته وقالولنا انه جه على المستشفى هنا..”
قال الموظف بعمليه..
“روح قسم استقبال الحوادث يا حاج هتلاقيه هناك..”
أسرعت حبيبة بالركض مرة أخرى، خلفها والدها، يجاهد ليصل لخطواتها المسرعة، لمحت لافتة مدون عليها “استقبال الطوارئ..”
تسمرت مكانها،وازدادت حدة انتفاضها..؛
ابتلعت لعابها بصعوبة، وكتمت أنفاسها، وبخطوات ثقيلة، سارت نحو الغرفة وهمت بالدخول لكنها توقفت،
بل تخشبت، حينما تسللت لأنفها رائحة زوجها، التى تحفظها عن ظهر قلب،
واستمع قلبها لصوت خطواته تقترب عليها،
شبه ابتسامة ظهرت على وجهها، وانهمرت دموعها بغزارة، وهمست لنفسها..
“ايوب..”
لحظات مرت عليها، وهى تقف مكانها تستمع بتمعن لصوت خطوات تقترب منها،
رائحته تغلغلت بأعماقها أكثر..،
لتتسع عيناها، وشهقت بعنف حينما خرج أيوب من الغرفة، وسار نحوها كمن كان على علم بوجودها،
حتى توقف أمامها ينظر لها بابتسامة، وعيون لامعة بالدمع،
تأملته هى بعناية شديدة، ازدات حدة بكائها، حينما لمحت بعض الكدمات ظاهرة على وجهه، ويده، وحتى ساقه،
عادت بنظرها لعيناه، تنظر له بعشق، لعشقها له استطاعت قراءة كل ما حدث معه دون أن ينطق لها بحرف واحد،
بابتسامة حنونه مطمئنة، فتحت ذراعيها له، وببكاء حاد همست..
“تعالى فى حضنى يا حبيب حبيبه..”
كالغريق، الذى أوشك على الموت وأخيراً وجد منقذه،
ارتمى أيوب داخل حضنها دافناً وجهه بعنقها، يبكى بانهيار، دون اصدار صوت.،
محيطاً خصرها بذراعي يضغط عليه بقوة،
ليخبرها مدى قهره، وألم قلبه،
فما أصعب قهر الرجال،
فقط استعاذ رسولنا الكريم عليه افضل الصلاة والسلام من أن يغلبه الرجال ؛ لما في ذلك من الوهن في النفس “..
..(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ )..
ضمته حبيبة داخل حضنها بكل ما تحمل من شوق، واشتياق وعشق له،
تقبل كتفه مرات متتالية،..بل تقبل كل أنش تقع عليه شفتيها،
وبرجاء، وتوسل همست من بين شهقاتها العنيفة..
“حبيبى بالله عليك تهدى..”
اقترب منهما محمد، ووقف بجوارهما، يربت بيده على ظهر أيوب، وبأنفاس لاهثة تحدث..
“ايوب؟!.. يا ابنى انت كويس؟؟..”
دون أن يبتعد أيوب عن حضن حبيبة، حرك رأسه بالايجاب،
مرغماً ابتعد عنها أيوب، وأستند بيده على كتفها،
فأسرعت هى بلف يدها حول خصره بلهفة،
ويدها الأخرى ممسكة بكف يده، وبدأت تسير معه لخارج المشفى،
هم محمد بالسير خلفهما ليوقفهما صوت أحد الأطباء..
“اطمن يا عم الحاج..هو الحمد لله بخير..مجرد كدمات بسيطه..”
حرك رأسه بأسف مكملاً..
“بس حالته النفسية واضح انها مدمره لأنه منطقش بكلمه واحده ولا حتى قال اسمه..”
اقترب من محمد رجل يظهر عليه الوقار، والهيبة،
بأواخر عقده الخامس، مد يده بالسلام، وتحدث بهدوء
“انا اللوا هانى شكرى..وبعتذرلك جدا عن اللى حصل لابن حضرتك..”
نظر للواقف خلفه بشرار غاضب
“عبد الرحمن ابنى مكنش يقصد يخبطه..”
زفر محمد برضا قائلاً..
“الحمد لله يا سياده اللوا انها جت على اد كده..”
ابتسم وهو يكمل..
“وايوب جوز بنتى وانا بعتبره أكتر من ابنى..”
رد عليه هانى باهتمام قائلاً
“طيب تسمحلى اخد عنوانكم وتليفونكم علشان اجى انا وعبد الرحمن نطمن علي ايوب بنفسنا..”
قال محمد بترحاب..
“تنورونا فى اى وقت..”
أملى عليه رقم هاتفه، وهاتف ايوب ايضاً والعنوان..
تساءل هانى، وهو يدون رقم هاتفه..
“اسمه أيوب ايه؟!..”
رد محمد
“ايوب زيدان..”
“:تمام..بأذن الله هنكون عندكم فى اقرب وقت..”
سار معه للخارج مكملاً..
“وفى عربيه قدام المستشفى هتوصلكم لحد البيت..”
ركض عبد الرحمن خلف أيوب، وأصر ان يوصلهم إلى منزلهم بنفسه،
انتظر هانى حتى ذهبوا جميعاً برفقه نجله، وأخرج هاتفه، وطلب احد الأرقام وتحدث بأمر..
“ايوب زيدان..هبعتلك عنوانه فى رساله تجبلى تاريخ حياته من ساعه ما اتولد..”
أغلق هاتفه، وبتأثر همس محدثاً نفسه..
“يا ترى ايه سبب قهرتك الشديده دى كلها يا ايوب؟؟!!..”
*********
..مرت فترة ليست بقليلة،
بإحدى قاعات الدراسة داخل كلية الهندسة،
تجلس هبة بمفردها شاردة كعادتها،
يظهر الحزن والكسرة على ملامح وجهها الرقيقة،
عيونها التى تلتمع بالدمع دائماً، كانت كالمغناطيس بالنسبة لبدر،
أصبحت هى شغله الشاغل،
ينتظر موعد محاضرته، التى ستتواجد بها هبة بنفاذ صبر،
رغم علمه أنها لا تهتم لأمره اطلاقاً،
بل الأكثر من ذلك أنه بالنسبه لها شخصان،
دكتورها بالجامعة بدر الزينى، وعم أحمد بائع المأكولات السريعة، وهذا يدل على انعدام تركيزها،
هى فقط مكتفية باشتياقها لصغيرها،
بخطواته الواثقة، خطا بدر لداخل القاعة، ليسود الصمت المكان بأكمله،
خلع نظارته الشمسية، ودار بعينيه يبحث عنها بلهفة حتى لمحها تجلس بملامح ذابلة، تكسوها الحزن، تحدق للفراغ بتيه، تبتسم تارة، وتعبس تارة، وفجأة يظهر ألم حاد على
ملامحها تارة أخرى،
تنحنح محاولاً اخراج صوته طبيعياً، وبصرامة تحدث..
“اححححم..السلام عليكم جميعا..”
توقف بنظره عليها،
“ياريت الكل يركز معايا هنا..”
تنهدت هبه بضيق دون النظر له، مما جعله يرفع حاجبيه معاً وبابتسامة تحدث موجه حديثه لها..
“الانسه ام طرحه كحلى..”
لم تنتبه له هبة، ولم تعير حديثه أى اهتمام، فوكزتها إحدى زميلاتها برفق، فانتفضت بفزع، ونظرت أخيرا تجاهه، فأكمل هو بتساءل..
“اسمك ايه يا انسه؟؟..”
باحترام وقفت هبة، وبرقتها المعهودة تحدثت..
“اسمى هبه يا دكتور..”
ابتسمت ابتسامه متألمة وأكملت بغصة..
“وانا مدام مش انسه..”
شحبت ملامح بدر قليلاً، وكاد أن يظهر توتره، لكنه استعاد جموده سريعاً، وتحدث بجدية
“طيب يا هبه اتفضلى اقعدى وياريت نركز فى المحاضره من فضلك..”
“حاضر يا دكتور..بعتذر لحضرتك..”
أشار لها بالجلوس، وبدأ يشرح لهم بعقل حاضر، وقلب ينهر نفسه بعنف، هامساً لنفسه بغيظ..
“غبى يااابدر يوم ما تعجبك واحده تكون متجوزه..”
تنهد بضيق..
“بس ليه كم الحزن اللى فى عنيها دا؟؟..
ولييييه مش لابسه دبله؟؟؟!!..”
نظر تجاهها نظرة خاطفة..
“يا ترى ايه حكايتك يا هبه؟؟؟..”
***********
تأكل نجوى بشراهة، وشهية مفتوحة، وباستمتاع تتحدث وهى تلوك الطعام بفمها..
“امممم..الفطير دا طعمه حلو اوى اوى يا محمد..”
نظرت له بفضول..
“انت جايبه منين يا ابو هبه؟؟!..”
رد محمد بتفاخر..
“مش هتصدقى انا جيبه منين..”
بدأ يأكل معها وهو يكمل
“طيب قوليلى ايه رأيك فى البيض البلدى اللى جبتهولك معاه؟؟..”
“دا جميل وصفاره كهرمان وطعمه زى العسل..”
عبست بملامحها وهي تقول
“ما تقولى يا راجل شريهم منين علشان ابقى اجيب..”
رد محمد بتلقائية..
“شريهم من عند حبيبه..”
اتسعت عينا نجوى بذهول، وسعلت بشدة،
فأسرع محمد وأعطاها كوب من الماء، وتحدث بقلق..
“مالك يا نجوى؟؟..انتى شرقتى ولا ايه؟؟..”
بغضب نظرت له نجوى، وبهدوء ما قبل العاصفة تحدثت..
“هى حبيبه بتبيع بيض وفطير؟؟..”
نظرلها بعتاب قائلاً..
“ما انتى لو قريبه من بناتك كنتى عرفتى كل اخبارهم..”
خبطت نجوى بكف يدها على الطاولة بعنف، وهي تقول بصوت عال..
“بنتى بتبيع بيض وفطير..”
صفقت بكلتا يديها.
“طبعا ما هى يا حبه عين امها متجوزه واحد مجوعها..”
رد محمد بيأس..
“انا مش هعاتبك تانى..انتى مافيش منك امل..”
هب واقفاً..
“لو بنتك تهمك فعلا روحلها بنفسك واساليها هى بتعمل كده ليه..”
نظر لها بأسف..
“انتى مدخلتيش عليها من ساعه ما اتجوزت يا نجوى..ايه عايزه تفهمينى ان حبيبه موحشتكيش..”
قالت نجوى بايتسامة غيظ
“وحشتنى..
وهروحلها يا محمد..”
هبت واقفة
“والليله مش بكره..”
أنهت جملتها، وأسرعت نحو غرفتها، ارتدت عباءتها على عجل، وبوعيد همست لنفسها
“مش هسبها على زمتك تانى يا ايوب يا فقرى يلى واخد البت تمرمطها..”
************
..بمملكهة حبيبة..
تجلس أرضاً بجوار زوجها، الذى يعد أشهى الفطائر الساخنة الطازجة،
برجاء، وتوسل شديد منها تلح عليه حتى تساعده، ولكنه يأبى باصرار،
فبعد نهار عمله الشاق بين نجار مسلح، وسباك وكهربائى، يعود بعد مغيب الشمس، ويجهز بنفسه الكثير من الفطائر، ويوزعهم على المتاجر، والمطاعم، ليزيد من دخله،
وكل ما يجنيه، يعطيه لزوجته المدبرة، التى تحافظ على مال زوجها، ولا تنفق منه قرش من دون علمه،
بعد جميع محاولات حبيبة لتساعد زوجها، ورفضه التام لمساعدتها حتى لا يتعبها،
اكتفت بالجلوس أمامه، تتأمله بهيام وبلاهة،
فنظر هو لها بشقاوة وغمز لها بأحدى عينيه فضحكت هي بدلع، واقتربت منه لفت يدها حول رقبته، وبدلال محبب لقلب زوجها همست..
“امممم..انا معجبه بيك..”
قبلت إحدى وجنتيه،
“ودايبه فى عنيك..”
وضعت جبهتها على جبهته..
“وهيمانه فى عشقى ليك يا ايوب يا حبيب حبيبه..”
داعبت مقدمة أنفه، وبفرحة طفولية أكملت..
“وفضلنا مبلغ صغير على الفلوس اللى معانا ونبنى الشقه كلها وواحده واحده نجيب أحلى عفش يليق بماما زينب وترجع بقى تعيش معانا وتنورنا ببركتها ورضاها علينا.. و؟؟..”
قطعت حديثها فجأة، وشهقت بعنف وأسرعت بالابتعاد عنه، وأكملت
“..شوفت نستنى خالتى ام محمود دى موصيانى على فطرتين سخنين..”
ارتدت ثيابها على عجل، وحملت بعض الفطائر الساخنة، ونظرت لزوجها برجاء..
“هروح انا ادهملها وأطمن عليها علشان مبتقدرش تطلع السلم يا بيبو..”
ألقت له قبلة بالهواء وأسرعت نحو الخارج..
“مش هتأخر عليك يا حبيبى..”
ابتسم ايوب بحب على شقاوه زوجته، وأسرع بعمل الفطائر حتى انتهى منهم،
وبخفة ومهارة قام بتنظيف جميع الأوانى، التى أستخدمها،
واتجه نحو الحمام؛ لينعم بحمام منعش يزيل عنه تعب اليوم،
انتبه لصوت طرقات عنيفة على باب الشقة،
فأسرع بارتداء ثيابه، واتجه نحو الباب فتحه على عجل..
ليجد المفاجأة، نجوى تقف أمامه تلتقط أنفاسها بصعوبة، وتنظر له بعيون تطلق شرار،
ودون إلقاء السلام عليه، دفعته بكتفه بعنف، وخطت للداخل تنظر حولها بصدمة وذهول، وبغضب عارم نادت بصوت عال..
“حبيبه..بت يا حبيبه..”
عاودت النظر لأيوب بابتسامة ساخرة،
“أه أكيد بتلف على البيوت تبعلهم بيض وفطير..”
اقتربت منه، وأكملت بفظاظة
“ما هى مش لقيه راجل ملو هدومه يصرف عليها..”
ابتسم لها أيوب ابتسامته الهادئة؛
فنظرت هى له باشمئزاز وبغيظ شديد اكملت..
“خلى عندك دم وطلق بنتى اللى انت ممرمطها معاك يا ابن زينب..”
بملامح جامدة،..حرك أيوب رأسه بالنفى..
صرت هى على أسنانها بغيظ أشد وأكملت بغضب أكبر..
انت “مبتحسش..جبله..
مبتفهمش..”
أمسكته من ياقة قميصه، وهزته بعنف، وأكملت بغضب عارم..
“بقولك طلق البت يا فقرى يا معدوم انت..”
دفعته بقوة، ودارت حول نفسها، تنظر للشقة، التى تقيم بها ابنتها بعيون متسعة بدهشة،
شقة صغيرة للغاية، مكونه من غرفة ومطبخ، وحمام ذات سقف من القش، والأعمدة الخشبية المتهالكة،
لا يوجد بها أثاث إلا سرير صغير، وسجادة صغيرة، وبعض الوسائد متناثرة أرضاً، وأكملت بذهول..
“بنتى عايشه فى عشه؟!!..”
ضربت على صدرها بعنف، حينما لمحت السقف، الذى يظهر جزء كبير من السماء..
“يا لهوى وكمان من غير سقف؟!!!..”
نظرت لزوج ابنتها الواقف بثبات، وملامح صارمة لا يظهر أى رد فعل وأكملت باحتقار..
“بزمتك مش مكسوف من نفسك وانت معيش بنتى فى الخرابه دى؟!..”
بكت بنحيب..
“بقى بنتى اللى طول عمرها متصانه وبتتعامل ملكه متوجه تعمل فطير وتبيعه وتربى فراخ وتعيش على بيع البيض اللى بيطلع منها..”
ضربته على صدره بكلتا يدها بكل قوتها..وهي تصرخ به
“متجوزها علشان تشغلها وتبهدلها وتهنها..”
نظرت له بوعيد وأكملت بتهديد..
“لو مطلقتش بنتى هسجنك وهبهدلك فى المحاكم و؟!..”
همت بإكمال حديثها، لكن صوت ابنتها، التى صرخت باسمها بفرحة، جعلتها تتوقف عن الحديث، وتلتف لها بلهفة،
لتنصدم من هيأتها بفستانها الأسود القديم، وغطاء رأس أيضا، يظهر عليه كثرة الأستخدام حاملة فوق رأسها طبق كبير مملوء بالفطائر الساخنة الطازجة،
أسرع زوجها نحوها، وحمله عنها وضعه أرضاً، وانتشلها داخل حضنه، مقبلاً رأسها بعمق،
بادلته هى عناقه، وقبلت وجنته سريعاً، وركضت نحو والدتها ارتمت بحضنها، وتحدثت ببكاء..
“يا حبيبتى يا ماما كنت عارفه انى مش ههون عليكى..”
بكت بعنف..
“واحشتينى اوى اوى..”
أقترب زوجها منها بلهفة، يمسح دموعها، وبعتاب نظر لها، وأشار بيده على قلبه، وحرك رأسه بالنفى،
بعشق ابتسمت هى له، واقتربت منه مرة أخرى احتضنته بكل قوتها، أمام أنظار والدتها المصدومة من عشق ابنتها لزوجها هذا الفقير المعدم من وجهة نظرها،
وبعمق قبلت موضع قلبه، ورفعت رأسها تنظر داخل عيناه بهيام، وبهمس تحدثت..
“سلامه قلبك من الوجع..يا قلب حبيبه..”
ينظر لها بعيون تحمل عشق العالم أجمع، يخبرها بما يحمله لها بنظراته العاشقة،
فالحادث الذى تعرض له زوجها أفقده القدرة على الحديث،
ولكنها تفهم ما يريد قوله من نظرة عيناه،
ليس حادث السيارة التى صدمته،
بل ما تعرض له على يد أشقائه كان أقوى من حادث السيارة،
ولكنه فضل التزام الصمت بالوقت الحالى،
حتى يفاجئ الجميع بما سوف يفعله حين يعود للحديث مرة أخرى،
وزوجته على علم بكل ما يدور بذهن زوجها، دون أن يخبرها،
بتعجب نظر لها أيوب فقد عادت حاملة الفطير مرة أخرى،
مطت حبيبة شفتيها، وتحدثت بطفولية..
“خالتى ام محمود كانت عيزانى اقعد معاها شويه علشان تطمن على ماما زينب..وقالتلى ان الفطير يتعبها ومش هتقدر تاكل منه..”
حرك أيوب رأسه بالايجاب،
فنظرت حبيبة لوالدتها التى تنظر لهما بعدم تصديق،
فبرغم ضيق الحال التى تراه أمامها،
إلا أن ابنتها وجهها يشع نوراً، وقد ازدادت بعض الوزن زادها جمالاً فوق جمالها،
عيونها تلمع بلمعة أكثر من رائعة،
انتبهت حبيبة لنظرة والدتها، فبتسمت لها، وتحدثت بتفهم..
“ايوه يا ماما..انا الحمد لله مرتاحه ومبسوطه واوى كمان..”
اقتربت منها وجذبتها نحو احدى الأريكة، أجلستها، وجلست جوارها وبتأكيد أكملت..
“وبأذن الله قريب قوى هتسمعى..”
نظرت لزوجها بفخر..
“عننا انا وجوزى اخبار هتفرحك اوى..”
دفعت نجوى يدها عنها بعنف، وهبت واقفة، وسارت نحو الخارج، وبسخريه تحدثت..
“اااه اخبار حلوه زى بيعك للفطير والبيض كده؟؟؟!!.بكره يخليكى تمسحى السلالم وتلمى الزباله من الشقق يا..”
نظرت لايوب نظرة ساخرة..
“هه مرات الفقرى..”
أنهت جملتها، وسارت للخارج مغلقة الباب خلفها بعنف،
اشتعلت أعين ايوب بغضب عارم، ونظر لحبيبة، التى ابتسمت له ابتسامة راضية، وبعشق تحدثت..
“اقسم بالله انا راضيه يا ايوب..”
اقتربت منه، وأحتضنته ملتفه بكلتا يديها حول خصره، ونظرت لعيناه..
“انا مستعده اعمل اى حاجه وكل حاجه بس افضل جوه حضنك كده يا بيبو..”
بقوة أغمض أيوب عينيه، يحاول تهدئة ثورة غضبه من حديث والدتها السام،
وحسم أمره أنه أن الأوان حتى يظهر للجميع شخصيته الحقيقية،
أخذ نفساً عميقاً، وأخيراً نطق بصوته الساحر، الذى يعصف بمشاعر زوجته..
“..حبيبه..”
بذهول، وعدم تصديق، نظرت له حبيبه وببكاء حاد همست..
“ايوب..”
نظرت له بشك وعيون تغرقها الدمع..
“انت قولت حبيبه؟؟!!..”
ابتسم هو لها بحب ورفع أصابعه، ومسح دموعها بحنان ومال قليلاً، وقبل عيونها وبأنفاس ساخنة، تلفح بشرتها تحدث بأمر..
“حبيبه هاتى الجيتار وتليفونك” وتعالى..
بفرحة غامرة، صرخت حبيبة، وقفزت تدخل حضنه، تعلقت برقبته، تحتضنه بكل قوتها، وبدموع الفرح تردد..
“يا قلب وعقل حبيبه..”
تقبله بجنون،
يضحك هو من صميم قلبه بفرحة لفرحتها،
وزاد من ضمها، حملها داخل حضنه عن الأرض، لتستطيع الوصول لوجهه وتقبيله،
تغرقه هى بسيل من القبلات،
وهو اكثر من مستمتع بقبلاتها الرقيقة،
بعمق قبل هو وجنتيها، وبتحذير همس بأذنها..
“هتجيبى الجيتار ولا..
اتجه بنظره نحو غرفتهما وغمز لها بعبث،
عضت حبيبه شفتيها بخجل، وبهمس تحدثت..
“هجيبلك الجيتار وتغنى حاجه لماما زينب وانا هصورك فيديو ونبعتهولها..”
بكت وضحكت بأن واحد..
“علشان انهارده عيد ميلادها..”
امتلأت عيون أيوب بالدمع، وبابتسامة متألمة تحدث..
“عرفتى منين يا بيبه؟!..”
قبلت حبيبهة لحيته، وبعشق تحدثت..
“كل حاجه تهمك وتشغلك بتهمنى وتشغلنى يا ايوب..
وماما زينب أمك وأغلى انسانه عندك وعندى انا كمان..”
تنهد أيوب براحة، وبحماس تحدث..
“طيب يلا خلينا نعملها مفاجأه حلوه..”
ركضت حبيبة نحو الجيتار، وحملته بحرص، وأعطته لزوجها، وأمسكت هاتفها، وبدأت تجهز وضع الكاميرا،
وقف أيوب بإحدى الأركان، وارتدى الجيتار، وهم بالعزف عليه، لكن صوت رسالة نصية أتت على هاتفه جعلته يسرع نحوه، ويفتحها باهتمام،
لتظهر الفرحة على ملامح وجهه، حينما قرأ نص الرسالة المرسلة له من اللواء هانى شكرى..
(“مبروك يا ايوب تم قبولك بالجيش برتبه ملازم اول دكتور وهيتم تعينك بمستشفى القبه العسكرى”)..
اقتربت منه حبيبه، وتحدثت بفرحة..
“خير يا ايوب..فرحنى معاك..”
قال أيوب بعبث
“هقولك فى الفيديو..”
عدل وضع الجيتار ونظر لحبيبة، والتمعت برأسه فكرة حسم أمره على تنفيذها..،
ابتسم بثقة وبأمر حدث زوجته..
“بيبه..”
نظرت له باهتمام..
“افتحى النت واعملى بث مباشر..”
بفرحة طفولية، قفزت حبيبة، وبحماس تحدثت..
“موافقه جدا..”
تراقصت بخصرها..
“خلى كل الناس تسمع صوت جوزى اللى هيجننهم..”
تمتمت بداخلها “استودعته فى حفظ الله من عين كل من يراه”، وضغطت بث مباشر،
أشارت لزوجها أن يبدأ،
بابتسامة، وثبات تحدث أيوب..
“السلام عليكم..انا ايوب زيدان..”
رفع كف يده، وبدأ يعد على أصابعه واحداً تلو الأخر..
“بشتغل نجار مسلح؛..سباك صحى؛..كهربائى؛..
لاعب بوكس..؛رفع الجيتار قليلاً..؛عازف جيتار..؛وفى بعض الاحيان مغنى لوالدتى وزوجتى فقط..
بس انهارده هغنى لوالدتى بمناسبه عيد ميلادها قدام الدنيا كلها..”
التمعت عيناه بالدموع..
“لأنها اول سنه تسافر بعيد عنى ومتكنش معايا..”
تنهد محاولا السيطرة على دموعه، التى خانته وهبطت ببطء على وجنتيه..
“امى عايز افرحك واقولك انى بفضل الله وبفضل دعاكى ليا بقيت انهارده..
(“ملازم أول دكتور جراح قلب واوعيه دمويه أيوب زيدان”)..
أسرعت حبيبة، بوضع كف يدها على فمها تكتم صوت شهقاتها بصعوبة،
أخذ أيوب نفس عميق، وبابتسامة من بين دموعه أكمل..
“يارب اكون قدرت أرفع راسك واشرفك يا ام ايوب..”
مال برأسه، ونظر لزوجته بعشق، وألقى لها قبلة بالهواء..
“انتى وحبيبه ايوب..”
أخذ وضع الاستعداد، وبدأ يعزف بمهارة على الجيتار، وبصوت ساحر، يخطف القلب، والأنفاس، ويبكى الحجر بدأ يغنى..
،،،،،،،عينى على اللى اتربى وعاش منها محروم،،،،،،،
لو تسألوا هيرد الدنيا بحالها فى كوم وفي كوم أمي فى كوم .. أمي،،،،،
هى اللى امشى ايديا فى ايدها و انا متغمى..
بهرب بدفى فى تنهدها و تشيل همى..
امى اللى امشى ايديا فى ايدها و انا متغمى بهرب بدفى فى تنهدها و تشيل همى،،،،،،،
دغري فى صغري بتسند فيا و تنصب طولى،،،،،،،،،،
تكبر هى تحتاج ليا افديها بدمى،،،،،،،
و عشان كده الدنيا فى كوم و فى كوم امى،،،،،،،،،،،
اسمها اول اسم فى عمرى ندهت عليه،،،،،،
اول كلمه و ماشيه و سند هقولكو ايه،،،،،،
اصلها امى روحى يا امى،،،،،،،
حضنها لما فتحت عنيا ادفيت بيه،،،،،،،
اول كلمه و اول اسم ندهت عليه نديت امى.. امى يا امى،،،،،،،
انتهى البارت..
وأستغفرو لعلها ساعة استجابة..
البارت ال11..
تزوجته فقيراً فأغنانى الله به..
✍نسمه مالك✍..
..بأمريكا..
بمنزل مرموق
تجلس زينب بغرفتها، التى جهزتها لها ليان زوجة ابنها بعناية فائقة،
شارده الذهن، دموعها تسيل على وجنتيها ببطء،
تتذكر تلك الأيام، التى كانت برفقة أبنائها الثالث،
تجمعهم غرفة واحدة، وفراش واحد،
والحب ودفء المشاعر تملأ قلوب أبنائها لبعضهم البعض،
ولكن؟؟..دوام الحال من المحال..،
فأصبح لكلا منهم حياته الخاصه بعيداً عن الأخر،
بل وأصبحت هى الأخرى أخر شئ يتذكره أبنائها، وهى معهم بنفس المنزل،
تنهدت بألم، وأزدات انهمار دموعها بحسره على انقلاب الحال، وما وصل أبناؤها إليه،
رفعت يدها المرتجفة، تجفف دموعها،
و ابتسامة حنونة زينت ثغرها، حينما تذكرت أبنها البار بها”ايوب”..
فبرغم بعد المسافات بينهما، إلا أنها دائماً أول اهتماماته،
رفعت عينيها الممتلئة بالدموع للسماء، وكلمات أيوب ابن قلبها تتردد بأذنها..
“عوضُ الله يستحق صبراً فلا تقنطى ، ستُجبر”..
وغداً يا أمى سيأتي اليوم الذي يعوضك الله فيه عن تلك الأيام الصعبة إن الله على كل شي قدير”..
”فانتظرى قليلاً لعل البشائر التي تُغيث القلب قريبة.”..
”وسيطيبُ ماقَد أوجعك يوماً.”..
”عِجافُ الأيام يعقُبها يوم الغَوْثِ وإن طالت”..
،”ومنّ آمنَّ بعوضِ اللهِ أتَاهُ عظيماً”..
..على يقين انا بالله سيمضي القلق ، وستأتي الراحة بعد هذا الكم مِن العناء ، سيُعوض الله توتُّر المشاعِر ، وإضطِراب الأمل، وخوف المُستقبل بِكُل ماهو جميل..
وبين قبلات متناثرة على كف يدها وجبهتها كلن يتابع بابتسامته، التى تطمئن قلبها..
“دائماً هناك أمل بأن لنا فالغيّب شيئاً جميل”..
تعالت شهقاتها قليلا فأسرعت بوضع كف يدها على فمها، وبصوت مكتوم همست بسرها..
“اه يا أيوب يا قلب أمك..”
بكت بنحيب..
“واحشتنى يا ضنايا..”
مدت يدها، وأخرجت صورته التى تضعها بجوار قلبها، ورفعتها إلى شفتيها، قبلتها مرات ومرات، وبنحيب تابعت..
“محدش بيفتكر عيد ميلادى غيرك يا حبيبى..”
تحسست القرط الذهب، التى ترتديه بأذنها بحب،
كان قد ابتاعه لها أيوب بعيد ميلادها الماضى، ورغم الأوقات العصيبة، التى مرا بها، إلا أنه رفض كل محاولاتها وألحاحها عليه حتى يأخذه ويبيعه،
اتسعت ابتسامتها أكثر، وتابعت بثقه..
“عمرك ما نستنى ولا هتنسانى يا أيوب..”
صوت بكاء مكتوم انتشلها من شرودها،
فأسرعت بأخفاء صورة أيوب، ومسحت دموعها، واعتدلت بجلستها وبلهفه مدت يدها وربتت على ظهر ليان النائمة بجوارها على الفراش بحنان بالغ، وبعتاب تحدث..
” برضو بتعيطى يا ليان يا بنتى..”
أمسكت يدها وساعدتها على النهوض، وبيقين تابعت..
“هيبقى زى الفل..”
ربتت على وجنتيها..
“والله يا بنتى أيوب هيرجع لحضنك فى أقرب وقت..”
ازداد نحيب ليان وهي تقول
“امتى بس يا ماما..”
بكت بانهيار ادأكبر..
“حبيبى بقاله 20يوم فى الحضّانة، ولسه الدكاتره نفسهم مش عارفين هيخرج أمتى..”
أنهت جملتها، وأزدات حده بكائها،
رمقتها زينب بنظره عاتبة وبرجاء تحدثت..
“كفايه عياط يا حبيبتى..مينفعش تعيطى كده وانتى لسه نفسه..الزعل والنكد دا غلط عليكى..”
نظرت لها ليان بعيون يغرقها الدمع وتحدثت بمرارة الحسرة
“ربنا بيعاقب ايمن فى ابنه على اللى عمله فيكى انتى وأيوب أخوه..”
نظرت لها زينب بصدمة وبذهول تحدثت..
“انتى عارفه يا ليان؟؟..”
أومأت لها ليان بالايجاب،وبأسف تحدثت..
“ايوه عارفه ان أيوب ابنك عايش”
تأوهت بعنف وبغضب مشتعل تابعت..
“للاسف عرفت ان جوزى خدعنى وكدب عليا كل السنين دى ومقليش ان عنده توأم..”
أخرست الصدمة زينب، وبدأت تبكى بصمت، وبصوت حزين مرتجف تحدثت..
“وانتى عرفتى ازاى انهم توأم وانتى مشوفتيش أيوب قبل كده؟؟..”
أخذت ليان نفس عميق،ورسمت ابتسامه على ثغرها تخفى بها ألمها وبتنهيده تحدثت..
“هقولك عرفت منين يا ماما..”
أمسكت يدها وقبلتها بحب شديد،
فزينب بالنسبه لها عوض الله عن والدتها المتوفاة،
نظرت لها بابتسامتها الحنونة، وتابعت بحب..
“كل سنه وحضرتك طيبه يا ماما..انهارده عيد ميلادك يا حبيبتى..”
نظرت لها زينب بطيبة وامتنان لتذكرها
“وانتى طيبه يا بنتى..”
نظرت لها بدهشة
“بس عرفتى ازاى ان عيد ميلادى انهارده؟؟..”
همت ليان بالرد عليها، لكن وصل إلى سمعها صوت زوجها، وشقيقه يعلن استيقاظهما،
هبت ليان واقفة وتحدثت متعجلة
“تعالى معايا يا ماما..فى مفاجأه حلوه اوى علشانك..”
نظرت لها زينب بشك، وبتعقل تحدثت..
“انتى ناويه على ايه يا ليان يابنتى؟؟..”
ابتسمت ليان ابتسامة زائفة، وبوعيد تحدثت..
“ناويه اعاقب ايمن على اللى عمله يا ماما..”
زرفت دموعها قائلة
“علشان اللى ملوش خير فى أهله ملوش خير فى اى حد..”
تنهدت بألم..
“بس لما افوق واطمن على ابنى..”
أمسكت يدها واتجهت بها للخارج وتابعت بفرحة
“تعالى بس خلينى اوريكى المفاجأه الجميله اللى معموله علشانك..”
فتحت ليان باب الغرفة ونادت بصوت عال..
“ايمن..يا ايمن..”
أسرع ايمن بالرد عليها بلهفة
“ايوه حبيبتى..اقترب منهما، ونظر لوالدته..
“صباح الخير يا ماما..”
زينب بابتسامتها الراضية ردت
“صباح النور يا ابنى..”
كان أيمن على عجلة من أمره..
“انا هنزل اروح لابنى الحضّانه وبعدين اروح الشغل..”
تعمد هو عدم نطق أسم صغيره، فقد أصرت زوجته أن تطلق عليه أسم شقيقه رغم رفضه الشديد،
ابتسمت له ليان ابتسامه مصطنعة، وبأمر تحدثت..
“استنى معانا شويه وابقى انزل، تحركت برفقة زينب، واجلستها على إحدى الأرائك، وتابعت،
“نادى على احمد وشوف البنات صحيو ولا لسه وهاتهم وتعالى”
أستمعت لصوت توأميها ذو الخمس سنوات،
لارين..ليليان حينما قالتا..
” صباح الخير يا مامى..”
أسرعتا بالركض نحو زينب الفاتحة ذراعيها لهما وارتما داخل حضنها وتابعا..
“صباح الخير يا نانا..”
قبلتهما زينب بحب شديد، وبفرحة أشد تحدثت..
“صباحكم ورد يا حبايب قلبى..”
خرج أحمد من غرفته حاملاً حقيبته الجلد، مرتدياً نظاراته الطبية، وبدلته الكاجوال الرائعة، وبخطوات شبه راكضة اتجه نحو الخارج، وكلمات سريعة تحدث..
“انا رايح الشغل..”
نظرت له ليان نظرة آمرة وهي تقول
“استنى يا احمد..”
توقف أحمد، ونظر لها بتساؤل، فتابعت هى بابتسامتها المزيفة، التى تزيد اتساع..
“تعالى هوريكم حاجه ترند أول على السوشيال ميديا انهارده، شوفتها بالصدفه قولت اوريهلكم واثقه انها هتعجبكم جدااااا..”
بملل، وعدم اكتراث، اقترب احمد، وجلس إلى جوار والدته،
فأسرعت ليان بجذب زوجها وأجلسته، بجوار شقيقه،
وصلت هاتفها بشاشة التلفاز، وجلست بجوار زينب الحاملة الصغيرتين على ساقيها، وبحماس تحدث..
“جاهزين؟؟..”
تململ ايمن، وقال بضيق..
“جاهزين”
“نظر بساعة يده وابتسم مجبراً..
“ومتأخرين..”
قالت ليان بجمود..
“حالا..”
ضغطت زر التشغيل، ليظهر فيديو أيوب، وهو حامل الجيتار،
صدمة اجتاحتهما، جعلت حالة من الهلع، والفزع تتملك من قلبيهما، حينما تذكرا رنين شقيقهما المستمر عليهما ليلة أمس، ولكنهما لم يعيرا أتصالاته أى أهتمام،
شهقت زينب باشتياق، وببكاء حاد وضحك بآن واحد تحدثت..
“ايوووووب يا حبيب قلب امك يا ضنايا..”
لتتعالى صرخات الفتاتين بفرحة طفولية غامرة، وببراءة أشارتا على التلفاز بأصابعهما الصغيرة وبصراخ تحدثتا..
“باااااابى اهو..”
انتفض ايمن كمن لدغه عقرب حينما أستمع لجملة أيوب..
(“ملازم أول دكتور جراح قلب واوعيه دمويه أيوب زيدان”)..
هب واقفاً ينظر لشاشة التلفاز بعيون متسعة كالمجذوب، وبذهول مقارب للجنون تحدث..
“ملازم؟!!!..”
نظر لشقيقه أحمد، الذى ينظر للشاشة بوجه شاحب، وببطء، أبعد نظره، واغمض عينيه بقوة، وفتحهما مرة أخرى، لعله يتوهم وبعدم تصديق ردد..
“دكتور؟!..”
ارتمى أيمن بجواره، وهمس بصوت مرتجف..
“ملازم..هو قال ملازم يا احمد؟؟!!..”
ابتلع احمد لعابه بالكاد كأن حلقه جف، وبتلعثم همس..
“دكتور يا ايمن؟؟..”
مسح على وجهه وشعره كأنه يشعر أن أحدهم سكب عليه ماء بارد، وتابع بعدم تصديق..
“ايوب دكتور جراح؟؟؟..”
بجسد ينتفض من شدة بكائها هبت زينب واقفه،وبخطوات بطيئة متثاقلة تقدمت نحو التلفاز، ووقفت أمامه مباشره تستمع لصوت غناء ابنها بصوته العذب، ودموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها وبحب شديد تردد..
“قلب امك يا حبيبى”..
تتحسس شاشة التلفاز بحنان وأشتياق بالغ،وبتأكيد تحدثت..هاجيلك يا حبيبى..”
بكت بنحيب..
“بأذن الله هجيلك يا ضنايا..”
هبت ليان واقفة، وببكاء تحدثت..
“مش لوحدك اللى هترجعى يا ماما زينب..”
نظرت لزوجها نظرة مشتعلة باللوم والغضب،
شعر أيمن بالضيق وجف حلقه، وتعالت نبضات قلبه، وتباطأت أنفاسه، وبصعوبه همس..
“قصدك ايه يا ليان؟؟..”
بصوت حزين مرتجف، تابعت ليان..
“يعنى انا وولادى هنرجع مع ماما زينب..”
ضيق أيمن عينيه، ونظر لها بعدم فهم، وبتساؤل تحدث..
“ترجعى فين وابنك تعبان ومحجوز فى المستشفى ولسه مش عارفين هيخرج امتى؟؟..”
انتهت أغنية ايوب، فاقتربت زينب من ليان، وقفت إلى جوارها، تحدثها كأم لها
“خليكى يا ليان يا بنتى…وانا هفضل معاكى لحد ما نطمن على أيوب الصغير..”
تنهدت براحة..
“انا الحمد لله قلبى بقى مطمن على أيوب ابنى..”
ربتت على ظهرها بحنان..
“عقبال ما ربنا يطمن قلبك على ابنك يا حبيبتى.”.
لكن ليان رفعت رأسها بأصرار قائلة “هنجهز أوراقنا وفى أقرب وقت هنكون فى مصر يا ماما انا وانتى وبناتى..”
أغمضت عينيها بقوة، لتتساقط دموعها بغزارة أكثر..
“وابنى كمان..”
ثارت ثائرة أيمن “انتى بتقولى ايييييه..ابنك هيسافر ازاى وهو بحالته دى..”
ابتسمت ابتسامة ساخرة..
“أيوب ابنى عمه دكتور جراح قلب يا أيمن..”
أخذت نفس عميق تحاول السيطرة به على حدة بكائها، وبألم حاد تابعت..
“وعمه هو اللى هيعمله العملية..”
تغلبت الحيرة على أيمن، فنظر لشقيقه الجالس بجواره واضعاً رأسه بين كفيه يبكى بصمت وندم، بدأ يشق طريقه نحو قلبه..
فامتلأت عيناه بالعبرات، وحاول الحديث، لكنه التزم الصمت، أخفض أيمن رأسه بخزى بعدما قرأ ما يدور بعقلها، ونظرتها المشتعلة بالغضب تخبره أنها لن تتهاون بمعاقبته،
مسح بطرف أصبعه دمعة سالت من عينيه، فأحرقت روحه قبل وجهه حزناً على حاله وما ألقى نفسه به..
ماذا جنى الآن..على وشك فقدان كل ما وصل إليه،
تنظر له زوجته هو وشقيقه بأسف وكثير من الاشمئزاز،
فهما لا تعنى لهما أواصر الرحم شيئاً،
حالة من الصمت المريب خيمت على المكان،
قطعت زينب هذا الصمت، وبرجاء تحدثت..
“عايزه اكلم ايوب..”
نظرت لكلاهما
“..اتصلو على اخوكم عايزه أكلمه.”.
بيد مرتجفة اخرج أيمن هاتفه، وطلب رقم شقيقه،
لحظات، واتاه صوته الملتهف..
“اييييه يا ابنى برن عليكم من امبارح..انتو كويسين..”
انفجر أيمن بالبكاء، يبكى بانهيار، ليتابع أيوب بفزع..
“مالك يله؟؟..”
ارتجف صوته..
“امك فيها حاجه؟؟..”
ازدادت حدة بكاء أيمن، وبصعوبة تحدث من بين شهقاته..
“انت دكتور جراح قلب يا أيوب..؟؟”
ايوب ببكاء فشل باخفائه..
“شوفت الفيديو؟؟..”
ابتسامة باهتة ارتسمت على وجه أيمن من بين دموعه..
شوفته يا حضره الملازم..”
بكى بنحيب اكبر..